الانتحار في المغرب

sui

يعتبر الانتحار افة انسانية تقلق المجتمعات والدول . الانسان بطبعه يحب الحياة فما هي العوامل التي تحفز الانسان على الاقدام على تهديم نفسه والهروب من معانقة الحياة بهمومها وافراحها .الحديث عن الانتحار يجرنا الى مقاربته من عدة مجالات . المجال الديني الاجتماعي الاقتصادي القانوني والطبي . من الناحية الدينية الاسلام ديننا الحنيف قارب الانتحار من جميع الجوانب فالنفس البشرية غالية وليس لها ثمن الاسلام – من قتل نفسا فكانما قتل الناس جميعا و من احياها فكانما احيا الناس جميعا . الانسان في الشريعة الاسلامية لا يملك جسده ولا يمكن ان يتصرف فيه بمشيئة ارادته .الاسلام كذلك يحثنا على الصبر وطلب الرزق والعمل الصالح والايمان بالقضاء و القدر وكذلك صلات الرحم والكلمة الطيبة كشجرة طيبة اصلها تابت وفرعها في السماء تاتي اكلها كل حين . الحياة الاسرية كذلك وقاية من الانتحار – وخلقنا لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعلنا بينكم مودة ورحمة – تعتبر هذه التعاليم الدينة بمثابة اسمنت التماسك الاجتماعي و اسس مجتمع قوي يسود فيه التعاضد والتصالح والرحمة والاحسان بين افراده .كل هذه التعاليم ادوات علاجية وقائية ترفع وتسمو بالانسان لتفادي الانحداروالاندحار الى عالم الانتحار. يعتبر الانتحار في الاسلام محرما ومن الذنوب والكبائر الكبرى – يقول الله تعالى ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا – وقال تعالي كذلك – ومن يقتل مومنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه واعد له عذابا عظيما – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنمم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها ابدا – ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم – والذي نفسي بيده لقتل مؤمن اعظم عند الله من زوال الدنيا . من الناحية الاقتصادية والاجتماعية تعتبر البطالة وعدم الشغل والتفكك الاسرى والعزلة الاجتماعية والنقص في الكرامة الانسانية والاهانات المتراكمة عوامل تحفز على الاحباط النفسي وقد تؤدي ببعض الاشخاص الذين لا يتوفرون على المناعة النفسية والدينية والشخصية للتفكير في التخلص من الحياة . ويعتبر فقدان شخص في المجتمع فقدان لبنة اجتماعية وفاعل مجتمعي و خسارة بالغة للاسرة و للمجتمع . كما يترتب عليها ترميل نساء وتيتيم اطفال مع ماسي اجتماعية واقتاصدية لا تحصى . كما يعتبر الانتحار من الناحية القانونية جريمة يعاقب عليها وتشريح الجثة في حالة الوفاة . تشير الغة الارقام ان الانتحار في بلادنا يتفاقم بنسب عالية حيث اشار بحث انجزته المنظمة العالمية للصحة ان نسبة الانتحار قفزت في ظرف اثناعشر سنة من 2.7 الى 5.7 حالة انتحارمن بين كل مائة الف مغربي . وتعتبر هذه الارقام مؤشر على تغير اجتماعي يحدث ونحن لا نبالي و يدل على نقص في عوامل التقوية الاجتماعية . كما يشير بحث انجز في سنة 2007 ان سبة محاولات الانتحار تقدر ب 16 في المائة وان نسبة الانتحار عند النساء يقدر ب 21 في المائة وعند الرجال ب 12 في المائة كما بين البحث ان نسبة الانتحار مرتفعة عند الاشخاص الغير مزوجين وعند المتزوجين الذين لم يرزقوا باطفال وعند الاشخاص المصابين بامراض نفسية .وان الانتحار عند الفتيات اللواتي تعرضن لاغتصاب او لحمل غير مرغوب فيه او لظروف عاطفية صعية يعتبر وسيلة للفت الانتباه وطلب استغاثة  . من الناحية الطبية تعتبر الكابة العامل الاساسي لخطر الانتحار وكذلك مرض الانفصام ومرض بيبولير . 10 في المائة من المرضى الانفصاميين ينتحرون – 26.5 من الاشخاص الذين اقدموا على الانتحار مصابين بالكابة – ويعتبر التشخيص المبكر وعلاج الكابة من اهم الادوات الطبية للوقاية من الانتحار.     تعتبر المنظمة العالمية للصحة الكابة السبب الاول في الاعاقة. والدرجة الرابعة للامراض بالنسبة للكلفة المالية لكل مرض . ويمثل الانتحار النهاية الماساوية لهذا المرض في بعض الحالات . ويقدر عدد الوفيات بالانتحار في العالم ب 850000 سنويا . يمكن للكابة ان تحدث في جميع الشرائح المهنية الاجتماعية في جميع الاعماروتصيب مرتين اكثر المراة من الرجل . كل سنة مائة وعشرون مليون شخص يعانون من الكابة في العالم ومنهم 25 مليون فقط سيتفيدون من الولوج الى علاجات جيدة . وتبين نتائج الاحصائيات المسجلة ان نسبة حدوث الكابة في سنة تقارب سبعة في المائة وتقدر هذه النسبة ب15 في المائة لمدة الحياة كلها الكابة هي قطيعة تمتد في الزمن وتاثرعلى الحياة العائلية العاطفية والاجتماعية ومن بين عوامل خطر حدوث الكابة نجد السوابق العائلية – الوفاة او مرض لشخص قريب – القلق الفكري الجسدي الدائم في العمل – المعاملة السيئة الجسدية الجنسية او العاطفية -الاستعمال المفرط للكحول والمنشطات – الامراض المزمنة كمرض السكري السرطان امراض القلب الادز الالام المزمنة .الاحداث الهامة في الحياة كالطلاق التوقف عن العمل الصعوبات المالية . بالنسبة للمغرب شخص واحد على اربعة اشخاص مصاب بالكئابة حسب بحث انجزته وزارة الصحة و الذي يرسم خريطة تقريبية للمشاكل النفسية عند الشباب . وتدل معطيات هذا البحث الذي اجري على 6000 شخص عمرهم اكثر من 15 سنة ان 48.9 في المائة من الساكنة التي اجري عليها البحث عانت من اضطراب نفسي بسيط في حياتها 26.5 في المائة بالنسبة للاضطرابات الكابية .هذا الاضطراب جد متواتر عند النساء بنسبة 34.3 في المائة و 20.4 في المائة بالنسبة للرجال .وكذلك جد متواتر في المدن 31.2 في المائة وفي البادية بنسبة 21.8 في المائة . كما بين هذا البحث الوطني نسبة تعاطي المخدرات والكحول تقارب 2 في المائة بالنسبة للكحول و 3 في المائة بالنسبة للمخدرات . الارتباط بالكحول والمخدرات جد متواتر عند الرجال وخاصة عند الفئة العمرية بين 20-29 سنة و 33- 44 سنة . وللفت الانتباه الاباء والمسؤولين الى لخطورة الكابة عند التلاميذ انجزت كلية العلوم لعين الشق التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدارالبيضاء بحث امتد لسنتين بين سنة 2006 و2007 حول الارهاق المدرسي والكابة على 1700 تلميذ ينتمون لعدة اعداديات وثانويات خاصة وعمومية بالدارالبيضاء الكبرى بين ان 10.68في المائة من التلاميذ الذي يتراوح اعمارهم بين 15 و 20 سنة يعانين من الكابة بنسبة 11.61 في المائة . القلق 15.7 في المائة – الارهاق 17.3 في المائة. ازمة هوية 15 في المائة – مع ارتباط هذه المشاكل النفسية مع التعاطي للتدخين والمخدرات . وكذلك تواتر الافكار السوداوية و الانتحارية . الكابة في مجتمعنا لا تحظى بالتحسيس الكافي في وسائل الاعلام واغلبية الحالات المرتبطة بالكابة لاتستفيد من التشخيص والعلاج لعدة اسباب . منها اسباب ذاتية وتقافية . وهناك اسباب موضوعية تتعلق بضعف المنظومة الصحية في بلادنا . ولتقريب القارئ من اعراض الكابة نقدم في هذا المقال حالة طبية تصوربالملموس المعانات التي يتكبدها المريض بالكابة . هذه الحالة تتعلق بسيدة تبلغ عمرها 30 سنة و تشتكي من صداع متواتر اضطرابات في النوم مع احساس بالارهاق ونقص في الهمة والنشاط . مع مرور الوقت بدات الاعراض الاولية تتفاقم . بعد الاطمئنان على نتائج الفحص الطبي والبيلوجي قام الطبيب المعالج بتزويدها بلائحة من الاسئلة لتجيب عليها . فتبين للطبيب المعالج انها تعاني منذ عدة اسابيع من حزن ونقص في الاحساس بالرغبة في اعمال كانت تقوم بها بشغف بالاضافة الى افكار انتحارية تخترق ذهنها في بعض اللحظات مع نقص في التركيز – احساس بالضعف مع اضطرابات نومية وتشنجات عاطفية . تعتبر هذه الحالة الطبية بالاعراض التي تشتكي منها جد متواترة في استشارات الطبيب العام والتى يجب اعطائها العناية الكافية والتفهم والتقبل لترسيخ الثقة بين الطبيب والمريض ولتعريف المريض بمرضه ونوعية العلاج الذي يتطلب متابعته لمدة زمنية لاتقل عن ستة اشهر وعلى بطئ الفعالية الدوائية التي لا تظهر الى بعد اربعة اسابيع . جل المرضى الذين يعانون من هذا المرض يتماثلون الى الشفاء بعد العلاج الدوائي .كما هناك حالات طبية مستعصية او قابلة للانكساريجب العمل على التكفل بها من طرف طبيب اختصاص نفساني .وفي نفس السياق يجب التذكير بتساوي العلاج الدوائي في الفعالية مع العلاج النفسي السلوكي المعرفي . كما هناك بعض الحالات تتطلب تزاوج اللعلاجين . يجب على الطبيب المعالج الانتباه الى معانات المريض خاصة اذا امتدت اكثر من اسبوعين متتاليين وتتمثل هذه الاعراض في مزاج متقلب متعكر مصاحب بالحزن و الغم – نقص في الرغبة الاهتمام و الذة – نقص مهم في الوزن او العكس – نقص في الاكل – الاحساس بالعجز – الارق او الافراط في النوم – اضطرابات في العلاقة الجنسية – التعب العناء وفقدان القوة – النقص في القدرة على التفكير التركيز و الارادة – فقدان التقدير الشخصي – النظرة السلبية للذات – – تواتر افكار الموت و الانتحار . امام هذه الاعراض يجب على الطبيب المعالج التفكيرفي مرض الكئابة بعد التيقن من عدم وجود مرض عضوي بالفحوص الطبية والبيولوجية والاشعتية . عند الشخص المسن المصاب بالكابة غالبا ما يشتكي من التعب الم في الراس والبطن تغير في الوزن مع سرعة الغضب.او على شكل اختلاط ذهني . عند الاطفال تتمظهر الكابة على شكل انفعال وسرعة الغضب نقص في المردودية الدراسية او العزلة الاجتماعية . كما تصيب الكابة المراة الحامل بنسبة 20 في المائة وخاصة الكابة بعد الولادة . وتبين الابحاث الطبية في الكابة واسبابها عن وجود خلل في توازن الناقلات العصبية كالسيروتونين . كما هناك عدة عوامل تساعد على الاصابة بالكابة كالقابلية الوراثية – بعض الامراض العصبية كمرض الباركينسون – الحوادث الشرايين الدماغية والنوبات الصرعية -بعض الادوية كذلك ترفع من خطرالاصابة كالرزيربين -الكوكايين – الامفيتامين والكحول الالم المزمن – المرض المزمن – القلق النفسي الاجتماعي . تشكل الكابة في مجتمع تقليدي لا يبالي كثيرا بثقل الامراض النفسية و علاجها مثبط قوي للتنمية والتطور الاجتماعي بالاضافة الى تدهور المردودية المهنية والعلاقات الاسرية والمجتمعية . وكذلك خطر الانتحار الذي يهدد المريض المصاب بالكابة ويمكن ان يؤدي به الى نهاية ماساوية . في الختام يجب على المجتمع المدني والاعلام وجميع المتدخلين المهنيين تنظيم حملات للتحسيس و الكشف المبكر عن هذا المرض خاصة عند الشرائح الاجتماعية الاكثر هشاشة والتي لها صعوبات في التعبير عن المثبطات النفسية التي تعوق اندماجها وتطورها الاجتماعي و كذلك الرفع من التكوين المعرفي لدى الفاعلين الصحيين للرفع من نسبة تشخيص الكابة وعلاجها . كما يجب اعتبار كل شخص حاول الانتحار مصاب بمرض نفسي وعرضه على طبيب نفساني . في المغرب الاحصائيات غير مضبوطة حول الانتحار ولا نتوفر على سجل مركزي لضبط عدد الوفيات الناجمة عن الانتحار كما يجب على المسؤلين رسم برنامج وطني مندمج ومتكامل يشارك فيه الاعلام والمجتمع المدني وجميع الفاعلين للوقاية من تفشي ظاهر الانتحار وللحد من نسبتها في بلادنا .

‎مؤخرة الموقع