العنف الجنسي للنساء والأطفال

violence sexuelle

شهدت بلادنا في السنين الأخيرة عدة حالات اغتصاب للنساء والأطفال، وقامت الصحف الوطنية بفضحها والتنديد بها. وتبين الإحصائيات أن هذه الظاهرة تعرف تزايدا ملحوظا في بلادنا بحيث يجب القيام بأبحاث ميدانية وسيكولوجية، ونفسية، واجتماعية، لتحديد مدى انتشارها والخطوات التي يجب القيام بها من أجل مواجهتها وكبحها وعدم السماح لها بالتضخم. فالعنف الجنسي يترك بصمات نفسية على الضحية ويمكن أن يؤدي إلى تداعيات سلبية متعددة تطال الضحية قد تصل إلى حد الانتحار، أو إلى أزمات نفسية متعددة، بالإضافة إلى الأمراض المنقولة جنسيا والإصابة بداء فقدان المناعة، ناهيك عن احتمال حدوث الحمل، فضلا عن الأضرار الجسدية العواقبية والمآسي الاجتماعية.
كما يترك العنف الجنسي عند الأطفال أثار سلبية على المدى القريب والبعيد، بحيث يعاني الطفل من اضطرابات سلوكية، وإحساس بفقدان التحكم، وفقدان الثقة، واضطرابات نفسية. كما تجب الإشارة إلى أن الكحول والمخدرات والأقراص المهدئة كـ «البانزوديازيبين»، تساعد على تكاثر العنف الجنسي، بحيث تساعد عند استعمالها على فقدان الكابح الباطني، وفقدان قوة الإرادة والمقاومة، وفقدان ذاكرة الأحداث لعدة أيام أو أسابيع عند الضحية ، مما يعطل العمل بالشكاية القانونية ومتابعة الجاني.
وفي نفس السياق بينت دراسة إحصائية أجريت على 1179حالة عنف جنسي مرتبطة بالمخدرات، أن 38 في المائة من الحالات كانت مرتبطة بالكحول، 18 في المائة مرتبطة بالقنب الهندي، 8 في المائة مرتبطة بـ «البنزوديازيبين» بما فيهم «روهيبنول»، « البرازولام»، و «تريازولام»، و 4 في المائة مرتبطة بـ «كاما ايروكسيبيتيرات». ويعتبر العنف الجنسي ظاهرة جد متواترة على الصعيد العالمي، وهو يشمل الاغتصاب، والبغاء الإجباري، والاتجار بالأشخاص، والزواج القسري، والاستغلال الاقتصادي والجنسي. علما بأن عددا كبيرا من هذه الحالات يلفها الكتمان بسبب عدم تقديم الضحايا لشكايات، أو الاستفادة من الفحص الطبي.
ويعتبر العنف الجنسي تجربة قاسية تعيشها الضحية برعب وذعر، يتعين عليها مواجهتها بقدر كبير من الشجاعة والجرأة مع تقديم شكاية أو طلب للعلاج. وفي هذا الصدد فكل شخص تعرض لعنف جنسي يلزم أن يستفيد من تكفل طبي استعجالي، مع تكفل كذلك على الصعيد القانوني والنفسي والاجتماعي. كما تتطلب العناية الطبية بالعنف الجنسي وجود فريق طبي متعدد الاختصاصات مع توفير ظروف حسن الاستقبال واحترام إرادة الضحية وكرامتها. وينطلق الفحص الطبي عبر طمأنة الضحية وبعد اخذ موافقتها وتعريفها بحقوقها مع نصحها بوضع شكاية لدى السلطات الأمنية، يرتكز استجواب الضحية على معرفة ظروف وملابسات العنف الجنسي، السوابق المرضية، العلاجات المتبعة، وسائل منع الحمل، كما يستمع الطبيب المعالج إلى شكايات الضحية من ألم بطني، نزف تناسلي، نزف شرجي، اضطرابات التبرز، اضطرابات التبول، كما يحبذ أن يجري الفحص الطبي بحضور شاهد من نفس جنس الضحية لطمأنتها.
ويبحث الطبيب المعالج في فحصه العام على علامات تدل على العنف الجسدي كالجروح، الندبات، الأورام الدموية، طفح جلدي، كما يبحث الطبيب في فحصه التناسلي والشرجي والفمي، على آفات فرجية، شق لغشاء البكارة، وذمة للقضيب، جرح للصفن، بدون إغفال تقييم الحالة النفسية والأعراض التي تصاحب مأساة العنف الجنسي. ويقوم الطبيب كذلك أثناء الفحص الطبي بأخذ عينات بيولوجية تتوخى البحث عن حيوانات منوية في الفرج أو الشرج أو الفم لإثبات العلاقة الجنسية، إضافة إلى البحث عن تعفنات منقولة جنسيا كالالتهاب الكبدي من نوع «ب» و «س»، و «الزهري»، « كلاميديا الكنوكوكسي» والسيدا، والبحث عن تسممات دموية في الدم أو البول أو الشعر. كما يبحث الطبيب في عينات من حيوانات منوية على بصمات جينية للمعتدي مع تسليمها للسلطة القضائية. والبحث عن احتمال حدوث حمل عند المرأة في سن النشاط الجنسي، كما يمكن أخذ صور فوتوغرافية للآفات المحدثة بعد موافقة الضحية، في حالة إذا لم يمض على الحادث أكثر من أربعة أيام يجب اعتبارها استعجالا طبيا .
وتعتمد المقاربة العلاجية على الوقاية من التعفنات المنقولة جنسيا بإعطاء العلاج الثلاثي لتفادي مرض السيدا إذا حصلت الاستشارة الطبية في الأربعة أيام الأولى بعد حدوث العنف الجنسي، بالإضافة إلى «ازيتروميسين 250»، أربعة أقراص في دفعة واحدة، وحبوب منع الحمل الاستعجالي «نورليفو» قرص واحد في ظرف 72 ساعة الأولى بعد الحادثة، مع عرض الضحية على طبيب نفسي، وفي حالة عدم استفادتها من تلقيح يجب إعطائها «امينوكلوبيلين» ضد فيروس الالتهاب الكبدي «ب» مع التطعيم باللقاح وتزويدها بأقراص ضد الألم، وضد القلق، وعلاج الجروحات الجسدية، بدون إغفال المتابعة الطبية والنفسية والبيولوجية للضحية. كما ينصح الخبراء بتشجيع الضحية على الاتصال بجمعيات تشتغل في الميدان لتساعدها على العبور إلى شاطئ النجاة مع تخطي الأزمات النفسية والاجتماعية المصاحبة للعنف الجنسي .
وفي الختام لا بد من التذكير أنه على المجتمع تحصين حقوق الطفل والمرأة في السلامة البدنية والنفسية والجنسية، مع خلق مراكز جهوية متخصصة في الفحص، والتكفل بضحايا العنف الجنسي، مع التدريب ورفع الوعي والاستشارة الاجتماعية والقانونية، وتنمية الدعم الاجتماعي، وتسطير قوانين رادعة لكبح الغرائز الخبيثة للمجرمين الجنسيين، مع التحسيس والتصدي لمنعهم من اقتراف جرائمهم في حق الأبرياء .كما يجب مراقبة دخول الأقراص المهلوسة والمنومة والمهدئة إلى بلادنا مع منع تداولها بدون احترام القوانين الجاري بها العمل، وكذلك العمل على تقليص استعمال المخدرات، والكحول، مع توفير وسائل العمل للجمعيات الحامية من تفشي العنف الجنسي في مجتمعنا.

 

 

‎مؤخرة الموقع